
رسول الله يطوف حول الكعبة منتصرا
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الثلاثاء الموافق 22 أكتوبر 2024
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين، ثم أما بعد عندما دخل رسول الله صلي الله عليه وسلم مكه وطاف حول الكعبة وهو يقول ” جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ” والأصنام تتساقط على وجوهها وأمر بهُبل وهو أعظم هذه الأصنام، فكسر وهو واقف عليه.
وأبو سفيان يشهد بعينه نهاية هُبل الذي وقف يوم أحد يخاطبه ويقول أعل هبل، ولهذا ذكره الزبير بذلك، فقال يا أبا سفيان، قد كسر هُبل، فإنك كنت منه في يوم أُحد في غرور، ولما أكمل النبي صلي الله عليه وسلم الطواف، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فقال “قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط” أي ما استقسما بها قط، ورأى في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده، ثم أمر بالصور فمحيت، ثم أغلق عليه الباب، ومعه أسامة وبلال، فإستقبلا الجدار الذي يقابل الباب، حتى إذا كان بينه وبينه ثلاثة أذرع، وقف وصلى هناك، ثم دار في البيت وكبّر في نواحيه، ووحّد الله تعالى، ثم فتح الباب.
وقريش قد ملأت المسجد صفوفا ينتظرون، ماذا يصنع محمد؟ إنهم هم الذين طالما آذوه وعذبوا أصحابه، طالما امتزجت سياطهم بدماء المؤمنين ولحومهم، إنهم الذين أخرجوه من أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إليه مكة، هم الذين أخرجوا أصحابه من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، إنهم الذين قاتلوهم في بدر وأُحد، وحاصروهم في الخندق، وقتلوا العشرات والمئات من جنده المؤمنين، إنهم هم العتاة القساة الطغاة، وقد أكنت منهم الفرصة، وحان الموعد للنقمة والقصاص، ولا بد أن يحاكم إذن هؤلاء الخصوم، فتضرب منهم الأعناق، وتطيح الرءوس، أو تعمل السهام في رقابهم دون محاكمة ولا مقاضاة، وهذا ما يتوقعه الناس في مثل هذا الموقف الرهيب، وهذا ما يفعله المنتصرون في القديم والحديث.
ولو إنتقم النبي صلي الله عليه وسلم منهم ما كان ظالما لهم ولكن رسول الله صلي الله عليه وسلم صنع غير هذا، لقد نادى قريشا وهم ناكسو رءوسهم، ينتظرون الكلمة الفاصلة، تخرج من بين شفتيه فقال صلي الله عليه وسلم “يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟” قالوا خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، هنالك قال صلي الله عليه وسلم “إني أقول ما قال يوسف لأخوته ” لا تثريب عليكم اليوم ” اذهبوا فأنتم الطلقاء” وهكذا بكلمة واحدة، أطلقهم الرسول صلي الله عليه وسلم، وأصدر هذا العفو العام، وضرب المثل الأعلى في تسامح القادرين على الإنتقام والإقتصاص، حتى إن أم هانئ بنت أبي طالب، تجير حموين لها مشركين، فيقر النبي صلي الله عليه وسلم هذا التدخل من امرأة في شأن من شئون الدولة، ويعترف بهذا الأمان الخاص، ويقول صلي الله عليه وسلم “قد أجرنا ما أجرت أم هانئ”.





